السيد كمال الحيدري
330
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
يُساعدنا على ذلك أيضاً أمران آخران ينبغي الاهتمام بهما ، وهما دراسة نشوء الأديان ولو بصورة إجمالية ، ودراسة حياة الجيل الذي عاصر الوحي ، ولو إجمالًا أيضاً . ولنأخذ شاهدين مهمّين ؛ الأوّل منهما يتعرَّض للمجتمع الجاهلي ( بيئة النزول ) الذي كانت تقوده أعراف غير شرعية ، وهو قوله تعالى : مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ( المائدة : 103 ) ، وهنا كيف يتسنَّى لنا فهم المراد من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام بدون الوقوف على بيئة النزول وما كانت عليه من تقاليد وأعراف باطلة فجاء الإسلام ليبدلها بالشريعة الحقّة ؟ الواقع من العسير جدّاً معرفة ذلك بدون تقصِّي بيئة النزول ، وما جاء في التفاسير التي تعرَّضت إلى نصوص كهذه لا بدَّ أن تكون قد راعت ثقافة ذلك العصر ، وقد روى العياشي في ذلك عن محمّد بن مسلم عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : ( وإنَّ أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن قالوا : وصلت ، فلا يستحلّون ذبحها ولا أكلها ، وإذا ولدت عشراً جعلوها سائبة ، فلا يستحلّون ظهرها ولا أكلها ، والحام : فحل الإبل لم يكونوا يستحلِّون ، فأنزل الله أنَّ الله لم يحرّم شيئاً من هذا ) « 1 » ، وهذه الرواية لم توضّح لنا المراد من البحيرة ، ولم تفصّل لنا المراد من الوصيلة والحام ، فالبحيرة هي الناقة التي تُشقُّ أذنها ، يقال بحرت الناقة أبحرها بحراً ، وكان عرب الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً بحروا أذنها أي شقّوها ، وامتنعوا من ركوبها وذبحها ، ولم تُطرَد عن ماء ، ولم تُمنَع من رعي ، والوصيلة هي الشاة إذا ولدت أُنثى فهي لهم ، وإذا ولدت ذكراً ذبحوه لآلهتهم في زعمهم ، وإذا ولدت
--> ( 1 ) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 347 ح 213 . .